النووي
5
روضة الطالبين
فيحتاج إلى بيان العمدية والمزهق ، وتعلق القصاص بالمباشرة والسبب ، وحكم اجتماع السبب والمباشرة ، وبيان حكم اجتماع المباشرتين ، وبيان اجتماع السببين ، فأما اجتماع السببين ، فمؤخر إلى كتاب الديات ، وأما الأربعة الباقية ، فنعقد فيها أطرافا : الطرف الأول : في بيان العمدية ، وتمييز العمد من الخطأ وشبه العمد ، فإذا صدر منه فعل قتل غيره ، نظر ، إن لم يقصد أصل الفعل بأن زلق ، فسقط على غيره ، فمات به ، أو تولد الهلاك من اضطراب يد المرتعش ، أو لم يقصد الشخص وإن قصد الفعل ، بأن رمى صيدا ، فأصاب رجلا ، أو قصد رجلا ، فأصاب غيره ، فهذا خطأ محض لا يتعلق به قصاص ، وإن قصد الفعل والشخص معا ، فهذا قد يكون عمدا محضا ، وقد يكون شبه عمد ، وفي التمييز بينهما عبارات للأصحاب يجمعها أربعة أوجه ، أحدها : أنه إذا وجد القصدان وعلمنا حصول الموت بفعله ، فهو عمد محض ، سواء قصد الاهلاك ، أم لا ، وسواء كان الفعل مهلكا غالبا ، أم نادرا ، كقطع الأنملة ، وإن شككنا في حصول الموت به ، فهو شبه عمد ، والثاني : إن ضربه بجارح ، فالحكم على ما ذكرنا ، وإن ضربه بمثقل ، اعتبر مع ذلك في كونه عمدا أن يكون مهلكا غالبا ، فإن لم يكن مهلكا غالبا ، فهو شبه عمد ، واعترض الغزالي على الأول ، بأنه لو ضرب كوعه بعصا ، فتورم الموضع ، ودام الألم حتى مات ، فقد علمنا حصول الموت به ولا قصاص فيه ، بل تجب الدية ، وعلى الثاني بأن العمدية أمر حسي لا يختلف بالجارح والمثقل ، وكما يؤثر الجارح في الظاهر بالشق يؤثر المثقل في الباطن بالترضيض ، وفي كلام الامام نحو هذا ، والوجه الثالث واختاره الغزالي : أن لافضاء الفعل إلى الهلاك ثلاث مراتب : غالب وكثير ونادر ، والكثير : هو المتوسط بين الغالب والنادر ، ومثاله ، الصحة والمرض والجذام ، فالصحة هي الغالبة في الناس ، والمرض كثير ليس بغالب ، والجذام نادر ، فإن ضربه بما يقتل غالبا ، جارحا كان أو مثقلا ، فعمد ، وإن كان يقتل كثيرا فهو عمد إن كان جارحا كالسكين الصغير ، وإن كان مثقلا ، كالسوط والعصا ، فشبه عمد ، وإن كان يقتل نادرا ، فلا قصاص ، مثقلا كان أو جارحا ، كغرز إبرة لا يعقبه ألم ولا ورم ، والفرق بين الجارح والمثقل على هذا الوجه أن الجراحة لها أثر في الباطن قد يخفى ، ولان الجرح وهو طريق الاهلاك غالبا بخلاف المثقل ، والوجه الرابع وهو